السيد محمد باقر الصدر

20

التشيع في الإسلام ( تراث الشهيد الصدر ج 18 ق 2 )

ومصيرها بعد وفاته أنّه بالرغم من شعوره بخطر هذه السلبيّة لا يحاول تحصين الدعوة ضدّ ذلك الخطر ؛ لأنّه ينظر إلى الدعوة نظرة مصلحيّة ، فلا يهمّه إلّاأن يحافظ عليها ما دام حياً ليستفيد منها ويستمتع بمكاسبها ، ولا يعنى بحماية مستقبلها بعد وفاته . وهذا التفسير لا يمكن أن يصدق على النبي صلى الله عليه وآله ، حتّى إذا لم نلاحظه بوصفه نبيّاً ومرتبطاً باللَّه سبحانه وتعالى في كلّ ما يرتبط بالرسالة ، وافترضناه قائداً رساليّاً كقادة الرسالات الأخرى ؛ لأنّ تاريخ القادة الرساليين لا يملك نظيراً للقائد الرسول في إخلاصه لدعوته وتفانيه فيها وتضحيته من أجلها إلى آخر لحظة من حياته ، وكلّ تاريخه يبرهن على ذلك . وقد كان صلى الله عليه وآله على فراش الموت وقد ثقل مرضه وهو يحمل همّ معركة كان قد خطّط لها وجهّز جيش « اسامة » لخوضها ، فكان يقول : جهّزوا جيش اسامة ، أنفذوا جيش اسامة ، أرسلوا بعث اسامة . ويكرّر ذلك ويغمى عليه بين الحين والحين « 1 » . فإذا كان اهتمام الرسول صلى الله عليه وآله بقضية من قضايا الدعوة العسكريّة يبلغ إلى هذه الدرجة وهو يجود بنفسه على فراش الموت ، ولا يمنعه علمه بأ نّه سيموت قبل أن يقطف ثمار تلك المعركة عن تبنّيه لها وأن تكون همّه الشاغل وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة . . . فكيف يمكن أن نتصوّر أنّ النبي صلى الله عليه وآله لا يعيش هموم مستقبل الدعوة ، ولا يخطّط لسلامتها بعد وفاته من الأخطار المترقّبة ؟ ! وأخيراً ، فإنّ في سلوك الرسول صلى الله عليه وآله في مرضه الأخير رقماً واحداً يكفي لنفي الطريق الأوّل ، وللتدليل على أنّ القائد الأعظم كان أبعد ما يكون عن فرضية

--> ( 1 ) انظر الكامل في التاريخ ( لابن الأثير ) 2 : 318 ، والطبقات الكبرى ( لابن سعد ) 2 : 249